استنفار حكومي متواصل لتأمين المستحقات المالية والرواتب
أقرت وزارة الصحة العراقية بوجود تحديات اقتصادية ومالية غير مسبوقة تواجه الإدارة التنفيذية للبلاد في ملف إدارة النفقات العامة وتوفير السيولة. وأكد وزير الصحة العراقي أن الاهتمام الأكبر والشغل الشاغل لرئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، على مدار أيام الشهر كافة، يتركز بشكل استثنائي على هندسة وتأمين الموارد المالية اللازمة لدفع رواتب الموظفين في القطاع العام والمتقاعدين في المواعيد المحددة، مما يضع أعباءً إدارية ضخمة على كاهل الدولة.
فجوة حادة في الأرقام والميزانية وتراجع قياسي لإيرادات النفط
وفي كشف تفصيلي للأرقام الرسمية الحاكمة للأزمة، أوضح الوزير أن الخزينة العامة للدولة تحتاج شهرياً إلى تدبير ما قيمته 10.8 تريليون دينار عراقي لتغطية بند الرواتب والأجور فقط. وفي المقابل، شهدت عائدات تصدير النفط الخام—الذي يمثل الشريان الأساسي للموازنة—تراجعاً حاداً وهبوطاً كبيراً خلال الأشهر الماضية؛ حيث انخفضت مستويات الدخل لتتراوح بين مليار ومليار ونصف المليار دولار أمريكي فقط شهرياً، وهو ما يعادل تقريباً من 2 إلى 2.5 تريليون دينار عراقي، مما يظهر عجزاً تمويلياً هائلاً وفارقاً شاسعاً بين الإيرادات والمصروفات الحتمية.
تأثر القطاع الصحي وأزمة التمويل الخانقة لشركة “كيماديا”
وانعكست هذه الأزمة المالية الخانقة بشكل مباشر وخميس على المنظومة الطبية والأمن الدوائي للمواطنين؛ حيث كشف الوزير أن الشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية (كيماديا) لم تتسلم سوى 15% فقط من إجمالي المخصصات المالية المقررة لها ضمن الموازنة العامة. وأدى هذا النقص الحاد في التمويل إلى تعثر وشلل شبه كامل في تنفيذ وإبرام عقود استيراد العلاجات والأدوية الأساسية، بالتوازي مع توقف الشحنات والإمدادات الطبية القادمة من الشركات المصنعة العالمية، مما يهدد المخزون الاستراتيجي الطبي للبلاد.
تدهور البنى التحتية للمستشفيات ومعضلة الكفاءة الإدارية
ولم تقتصر أبعاد الأزمة على الجوانب المالية التمويلية فحسب، بل امتدت لتشمل الواقع الميداني للمؤسسات العلاجية؛ حيث أقر وزير الصحة بتردي الأوضاع الإنشائية والخدمية وتراجع كفاءة البنى التحتية في عدد كبير من المستشفيات الحكومية. وأشار إلى أن المعضلة لا تنحصر في عجز الموارد المالية فقط، بل ترتبط بعوامل هيكلية متمثلة في سوء الإدارة، والتباين الحاد في مستويات الكفاءة والقدرة القيادية بين الإدارات المختلفة في المؤسسات الصحية المنتشرة بالمحافظات.
المسببات الاستراتيجية لاشتداد نقص السيولة المالية في البلاد
وفي قراءته للأسباب الموضوعية التي أدت إلى تدهور الوضع المالي واشتداد أزمة نقص السيولة، أرجع الوزير هذه التعقيدات إلى تقاطع مجموعة من العوامل الإقليمية والاقتصادية. وتأتي في مقدمة هذه الأسباب التراجعات المتتالية في حصيلة الصادرات النفطية، بالإضافة إلى التداعيات الجيوسياسية والأمنية المرتبطة بأزمة مضيق هرمز وحركة الملاحة، إلى جانب الضغوط المالية والإجراءات التنظيمية المصاحبة لمبيعات نافذة العملة الأجنبية في البنك المركزي العراقي.
