ترقب أوروبي لقرارات واشنطن الوشيكة بشأن سلاسل التوريد والعمالة القسرية
تتجه المفوضية الأوروبية في الوقت الراهن نحو إبداء مرونة وقبول حذر تجاه حزمة الرسوم الجمركية الجديدة التي تعتزم الإدارة الأمريكية برئاسة الرئيس دونالد ترامب فرضها وإقرارها خلال الأيام القليلة المقبلة. وتأتي هذه التحركات الأمريكية تحت ذريعة مكافحة ملف “العمالة القسرية” في سلاسل التوريد العالمية. وتأتي الرغبة الأوروبية في الاستجابة لهذه الإجراءات شريطة التزام واشنطن التام والصارم بألا تتخطى هذه الزيادات الجمركية سقف نسبة الـ 15% المتفق عليها والموقع عليها مسبقاً بين القطبين الاقتصاديين في “اتفاق تيرنبيري التجاري” المشترك الذي أبرم في شهر يوليو من عام 2025.
مبررات البيت الأبيض والجدول الزمني لانتهاء النظام الجمركي الحالي
وكانت مؤسسة الرئاسة الأمريكية في البيت الأبيض قد مهدت لهذه الخطوة الحمائية منذ شهر يونيو الماضي، عندما أعلنت صراحة عن عزمها وتوجهها لفرض ضرائب ورسوم جمركية إضافية تصاعدية تستهدف شركاءها التجاريين على مستوى العالم. واستندت واشنطن في هذا التوجه إلى أن تلك الدول والشركاء لا يبذلون الجهود الكافية أو الصارمة للحد من تدفق وتجارة السلع والمنتجات التي تعتمد على العمالة القسرية، معتبرة أن هذا التراخي يتسبب في أضرار اقتصادية وتجارية بالغة بمصالحها القومية وأسواقها المحلية، وذلك بحسب ما أوردته ونشرته صحيفة “لابانجورديا” الإسبانية.
وفي ذات السياق، يقترب النظام الجمركي الأمريكي المعمول به حالياً من مشارف نهايته الرسمية، حيث من المقرر أن تنتهي صلاحيته القانونية يوم الجمعة. ومن جانبه، أفاد الممثل التجاري للولايات المتحدة، جيمسون جرير، بأن بدء تطبيق المنظومة والرسوم الجمركية الجديدة أصبح مسألة وقت فقط وباتت خطوة وشيكة التنفيذ، على الرغم من عدم تحديده لتاريخ أو موعد زمني دقيق لبدء التطبيق الفعلي، مؤكداً في الوقت ذاته توقعه لصدور “تحرك وشيك وقريب جداً” لحسم هذا الملف التجاري المعقد.
سقف اتفاق “تيرنبيري” وتوازنات القوى بين ترامب وفون دير لاين
وفي المقابل، يعكف كبار المسؤولين والمخططين الاقتصاديين في المفوضية الأوروبية على مراقبة ورصد مستويات ومعايير الرسوم الجمركية الجديدة المزمع إعلانها من جانب واشنطن بدقة متناهية وبشكل مكثف. ويعود هذا الاهتمام البالغ إلى محددات “اتفاق تيرنبيري” التاريخي الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمعية رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين؛ حيث يضع هذا الاتفاق المشترك بنداً إلزامياً يقضي بوضع حد أقصى وسقف صارم لا يمكن تجاوزه للرسوم الجمركية الأمريكية على كافة البضائع والمنتجات ذات المنشأ الأوروبي بنسبة لا تتعدى الـ 15%.
وصرح مسؤول أوروبي رفيع المستوى ومطلع على كواليس المفاوضات بأن الجانب الأوروبي، وبطبيعة الحال، لا يتفق تماماً ولا يشارك الإدارة الأمريكية استنتاجاتها وتقييماتها الخاصة بملف العمالة القسرية، مشيراً إلى أن بروكسل أبلغت نظيرتها واشنطن بهذا الموقف التحفظي بوضوح تام خلال القنوات الدبلوماسية والتجارية الرسمية. وأضاف المسؤول أن الغاية الاستراتيجية والهدف الأساسي للاتحاد الأوروبي في هذه المرحلة يتمثل في ضمان الاحترام الكامل للاتفاقيات الموقعة، وتوفير بيئة من الاستقرار والاستدامة والقدرة على التنبؤ الاقتصادي للشركات والمصانع الأوروبية، وهي ذات المبادئ التي تم التعهد بها وتأسيسها خلال صياغة الاتفاق التجاري العام الماضي.
تعقيدات الوضع القانوني الأمريكي وتحقيقات القسم 301
وتواجه العلاقات التجارية بين الطرفين تعقيدات إضافية ناجمة عن قرارات سابقة؛ حيث كانت إدارة الرئيس ترامب قد أقرت في شهر فبراير الماضي رسوماً جمركية بنسبة 10% على عموم الشركاء التجاريين الدوليين، وذلك عقب إعلان المحكمة العليا الأمريكية عدم دستورية حزمة الرسوم التي كانت مقررة لعام 2025. ونتيجة لهذه القرارات المتلاحقة، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه في الوقت الراهن يقف أمام متوسط ومعدل رسوم جمركية فعلية يقترب بشدة من السقف المسموح به والمتمثل في نسبة الـ 15%.
ومن الناحية القانونية والتشريعية داخل الولايات المتحدة، تجدر الإشارة إلى أن الأساس والمستند القانوني الحالي الذي يرتكز عليه النظام الجمركي الأمريكي لا يمنحه الصلاحية أو الغطاء التشريعي للاستمرار والدوام لأكثر من 150 يوماً (والتي تنتهي بحلول تاريخ 24 يوليو)، ما لم يصدر قرار رسمي صريح من الكونجرس الأمريكي يوافق فيه على تمديد العمل به، وهو السيناريو الذي يراه الكثير من المحللين السياسيين والافتصاديين أمراً مستبعداً وصعب التحقيق في ظل التوازنات السياسية الحالية التي تسبق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
وفي مسار موازٍ يعكس جدية التوجهات الأمريكية، دشن قطاع التجارة في وزارة التجارة الأمريكية تحقيقاً رسمياً وموسعاً بموجب “القسم 301” من قانون التجارة الصادر عام 1974، وهو القسم المخصص لفحص الممارسات التجارية الأجنبية الضارة؛ حيث يركز هذا التحقيق على تقصي وفحص ممارسات العمالة القسرية ضمن سلاسل التوريد والإنتاج على الصعيد العالمي، ومن المتوقع والمترقب أن تعلن الوزارة عن النتائج والقرارات المنبثقة عن هذا التحقيق الدقيق خلال الأيام القليلة القادمة.
موقف المفوضية الأوروبية واستراتيجية تفادي التصعيد التجاري
وفي ختام المشهد، تجدد المفوضية الأوروبية تمسكها الشديد وثباتها على موقفها المبدئي الرافض بشكل قاطع لربط السياسات والرسوم الجمركية والاقتصادية بملفات حقوقية وسياسية مثل ملف العمالة؛ حيث تؤكد بروكسل بصفة مستمرة أن منظومتها التشريعية والقانونية الأوروبية تضم بالفعل قوانين صارمة، وأطراً رقابية حازمة ومتقدمة للغاية لمكافحة ومنع أي شكل من أشكال العمالة القسرية أو الاستغلال في قارتها.
ومع ذلك، يرى صانعو القرار الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي أن التوجه الدبلوماسي العقلاني والخيار الأفضل والأكثر حكمة في الوقت الراهن يكمن في التركيز على ضمان صون واحترام بنود “اتفاق تيرنبيري”، والعمل المشترك لتفادي ونزع فتيل أي تصعيد تجاري أو حرب حمائية قد تندلع بين ضفتي المحيط الأطلسي، والتي قد تسفر في حال حدوثها عن تكبد الاقتصادين الأمريكي والأوروبي خسائر مالية وتجارية باهظة وفادحة بغنى عنها.
