تشهد أسواق الطاقة العالمية في الوقت الحالي اضطرابًا استثنائيًا بسبب التوترات الإقليمية، وما صاحبها من صعوبة في حركة الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب، إلى جانب اضطراب بعض خطوط ومنشآت الإمداد.
وبالنسبة لمصر، لا تقتصر التأثيرات على احتمالية ارتفاع تكلفة الاستيراد، وإنما تمتد إلى زيادة مخاطر وصول السولار والبنزين والمازوت والبوتاجاز في الوقت المناسب.
وفي المقابل، يختلف وضع الغاز الطبيعي، إذ يمكن تدبير الكميات من خلال مزيج من الإنتاج المحلي والواردات، لكن تكلفة الغاز المسال أصبحت مرتفعة ومتقلبة.
ولذلك، فإن المطلوب في المرحلة الحالية هو ترتيب الأولويات، من خلال تشغيل الأصول المصرية المتاحة بأعلى كفاءة، واستيراد الخام عندما يكون أوفر من استيراد المنتجات، وخفض استخدام الغاز الأعلى تكلفة عندما تتوافر بدائل فنية واقتصادية، إلى جانب تسريع زيادة الإنتاج المحلي.
استيراد الخام وتكريره محليًا
القاعدة الاقتصادية التي يجب أن تحكم القرار بسيطة: لا تتم مقارنة سعر الخام بسعر المنتج فقط، وإنما تتم مقارنة التكلفة النهائية لوصول المنتج إلى مصر في الحالتين.
فإذا ارتفع سعر الخام بنسبة أقل من ارتفاع أسعار المنتجات المكررة خلال الفترة نفسها، فقد يكون استيراد الخام وتكريره داخل مصر خيارًا اقتصاديًا أفضل، بشرط قدرة المصفاة على تكرير الخام، وأن تكون تكلفة النقل والتكرير والتخزين أقل من تكلفة استيراد المنتج الجاهز.
وبالتالي، حتى مع ارتفاع سعر الخام، قد يكون استيراده أفضل للاقتصاد المصري من شراء السولار والبنزين أو النافتا جاهزة بأسعار أعلى، لأن الأساس هو حساب تكلفة المنتج النهائية عند وصوله إلى المستهلك المصري.
ولهذا، يبرز مقترح بإنشاء غرفة حساب يومية داخل الهيئة المصرية العامة للبترول، لمقارنة تكلفة استيراد الخام وتكريره محليًا مع تكلفة استيراد كل منتج جاهز، مع احتساب النقل والتأمين والتخزين وتكلفة التكرير.
كما أن رفع معدلات تشغيل معامل التكرير يمكن أن يساهم في زيادة الإمدادات المحلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مع إعطاء الأولوية لتطوير معامل النصر والسويس وزيادة كميات الخام الموجهة إليها، إلى جانب الإسراع في مشروعات زيادة إنتاج المنتجات عالية القيمة وتقليل الاستيراد.
معامل النصر والسويس
تمتلك منطقة السويس وشركاتها التكريرية ميزة مهمة، تتمثل في قربها من موانئ البحر الأحمر وشبكات النقل والتخزين القائمة.
ومن ثم، فإن رفع معدلات تشغيل الوحدات الموجودة يمكن أن يحقق أثرًا أسرع من انتظار إنشاء مصافٍ جديدة، بالتوازي مع أعمال الصيانة والتطوير وزيادة كفاءة التشغيل.
اختيار الخامات المناسبة
المطلوب ليس تشغيل المعامل بأي خام وبأي تكلفة، وإنما اختيار خامات مناسبة للوحدات، ثم تحديد المنتجات التي يحتاجها السوق، وتشغيل المصفاة بالمزيج الذي يحقق أكبر كمية ممكنة من السولار والمنتجات الأعلى قيمة.
أهمية التكرير المحلي
• تقليل عدد الشحنات المطلوبة من المنتجات الجاهزة
• خفض التعرض لارتفاع هوامش تكرير السولار والبنزين عالميًا
• الاستفادة من الأصول والموانئ وخطوط النقل الموجودة بالفعل
• توفير قيمة مضافة وفرص تشغيل داخل مصر
• تقليل الحاجة إلى تدبير الدولار لشراء المنتجات الجاهزة
• منح الدولة مرونة أكبر في اختيار الخام والمورد والتوقيت
وتزداد أهمية هذه السياسة مع ارتفاع هوامش تكرير السولار عالميًا، بالتزامن مع نقص المعروض واضطراب الإمدادات.
السولار والمازوت والنافتا والبوتاجاز
ينبغي تحديد حد أدنى آمن للمخزون لكل منتج أساسي، مع إعطاء الأولوية للمنتجات التي يصعب تعويضها سريعًا حال تعطل الملاحة.
كما يجب زيادة الاعتماد على الشراء المسبق عندما تكون الأسعار وتكاليف النقل مناسبة، بدلًا من اللجوء إلى الشراء الاضطراري خلال ذروة الأزمات.
ويجب أن يكون المخزون موزعًا جغرافيًا وألا يعتمد على موقع أو ميناء واحد، مع مراجعة قدرات خطوط النقل ومستودعات التخزين، حتى لا تتحول المشكلة من نقص المنتج إلى صعوبة نقله لمناطق الاستهلاك.
الغاز الطبيعي
لا يرتبط ملف الغاز فقط بتوفير الكميات، وإنما يمثل ارتفاع تكلفة استيراد الغاز الطبيعي المسال وتقلبها تحديًا أساسيًا.
ومن ثم، يجب إجراء مقارنة مستمرة بين تكلفة الغاز المحلي والغاز المنقول عبر الأنابيب والغاز المسال، بعد إضافة تكاليف النقل والتأمين والتغييز، بهدف تقليل متوسط تكلفة الغاز الذي يصل إلى الاقتصاد المصري، وليس فقط تأمين الكميات.
الكهرباء واستخدام الوقود البديل
مع ارتفاع تكلفة الغاز المسال، يجب إعادة حساب تكلفة تشغيل محطات الكهرباء بصورة مستمرة، ويمكن استخدام المازوت في الوحدات التي تسمح تصميماتها بذلك، إذا ثبت أن تكلفة إنتاج الكهرباء منه أقل من تكلفة إنتاجها باستخدام الغاز المستورد، بعد احتساب الصيانة والانبعاثات والقيود الفنية.
ولا يعني ذلك تحويل جميع المحطات إلى المازوت، وإنما يجب أن يكون القرار وفق إمكانات كل محطة وتكلفتها.
كما يمكن الاستفادة من ارتفاع كفاءة بعض الوحدات الحرارية خلال الطقس البارد، خصوصًا في الخريف والشتاء، متى كان ذلك متوافقًا مع متطلبات التشغيل.
ترشيد استهلاك الطاقة في المصانع
لا ينبغي أن تعتمد سياسة خفض استهلاك الكهرباء على إجراءات عامة أو تحميل المواطنين والصناعة أعباء إضافية، وإنما على إدارة الطلب بصورة أكثر كفاءة، بما يسمح بخفض الاستهلاك غير الضروري دون التأثير على الإنتاج أو الخدمات الأساسية.
وفي القطاع الصناعي، يمكن تطبيق برنامج عملي يعتمد على قياس استهلاك الطاقة في الصناعات كثيفة الاستهلاك، وتحديد فرص الخفض التي تحقق وفرًا حقيقيًا في الكهرباء والوقود.
كما يمكن منح حوافز للمصانع التي تحقق خفضًا فعليًا في استهلاك الطاقة لكل طن من المنتج، بدلًا من الاكتفاء بفرض قيود على الاستهلاك.
ومن المهم أيضًا تشجيع المصانع على نقل جزء من أحمالها إلى ساعات انخفاض الطلب، واستخدام أنظمة التحكم وإدارة الأحمال، واستغلال الحرارة المهدرة في العمليات الصناعية، بما يقلل استهلاك الكهرباء والغاز مع الحفاظ على معدلات الإنتاج.
وبذلك يتحول ترشيد الطاقة من مفهوم تقليدي إلى برنامج اقتصادي يربط خفض الاستهلاك بحوافز مباشرة وتحسين كفاءة الإنتاج وخفض تكلفة المنتج.
ومن أبرز الإجراءات المقترحة:
• إلزام أكبر المستهلكين بقياس استهلاك الغاز والكهرباء.
• منح حافز للمصنع الذي يخفض استهلاكه دون خفض إنتاجه.
• إتاحة عقود غاز مرنة للمصانع التي تستطيع خفض استهلاكها مؤقتًا خلال أوقات الذروة.
• تمويل مشروعات استرجاع الحرارة وتحسين الغلايات والمحركات والضواغط.
• ربط أي توسع صناعي جديد بمؤشر واضح لاستهلاك الطاقة لكل وحدة إنتاج.
وبهذه الطريقة يتحول ترشيد الطاقة من حملة عامة إلى وفر مالي قابل للقياس.
زيادة الإنتاج المحلي
زيادة الإنتاج المحلي من الزيت والغاز تظل من أهم الوسائل الدائمة لتقليل التعرض للأسواق الخارجية، لكن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون للحقول القريبة من البنية الأساسية، والآبار المتوقفة، والحقول الصغيرة والمتوسطة التي يمكن وضعها على الإنتاج خلال فترة زمنية قصيرة.
كما أن تسريع برامج الاستكشاف والإنتاج والحفر، إلى جانب الاتفاقيات الجديدة وزيادة الآبار، يمكن أن يساهم في دعم الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد.
رسالة غرفة البترول والتعدين
الرسالة الأساسية هي أن السؤال في الظروف الحالية لا يجب أن يكون: هل نشتري خامًا أم منتجات؟ وإنما: أي طريق يوفر لمصر المنتج النهائي بأقل تكلفة وأعلى درجة من الأمان؟
فإذا كانت أسعار المنتجات ترتفع بمعدلات أكبر بكثير من أسعار الخام، فإن زيادة استيراد الخام وتشغيل معامل التكرير المصرية قد تكون أوفر للاقتصاد من استيراد المنتج جاهزًا، حتى مع ارتفاع سعر الخام، بشرط احتساب تكلفة التكرير والنقل والمواصفات.
وفي الوقت نفسه، يجب التعامل مع الغاز المسال باعتباره مصدرًا مرنًا لتغطية الفجوة، وليس بالضرورة المصدر الأرخص دائمًا.
وكل وحدة غاز يتم توفيرها من خلال تحسين كفاءة الكهرباء أو الصناعة يمكن أن تساهم في خفض فاتورة الاستيراد، أو توجيه الغاز إلى استخدام صناعي أعلى قيمة.
وتهدف هذه الإجراءات إلى حماية الاقتصاد المصري من تكلفة استثنائية قد تمتد آثارها إلى النقل والكهرباء والصناعة والأسعار، دون تحميل المواطن أو الصناعة أعباء جديدة.
#أسواق_الطاقة #الطاقة #مصر #البترول #الغاز_الطبيعي #الغاز_المسال #السولار #البنزين #المازوت #الاقتصاد_المصري #الإنتاج_المحلي #أسعار_الطاقة #الوقود
